Solidarité تضامن

مرور مائة سنة من الثورة الروسية : مقاربات سوسيولوجية حول راهنية الثورة في زمن العولمة

« الخبزللجائعين …الأرض للفلاحين ..السلطة للسوفياتات » هكذا هتف فلاديمير أوليانوف لينين الى الجماهير الشعبية التي لبت النداء, يوم اصطف عمال وجنود « بتروغراد » صفا واحدا وهبت موجة بشرية هائلة لتقاوم نحو « قصر الشتاء », ليكتب تاريخ آخر, غير الذي ساد ومضى, ولتتجه أنظار ملايين العمال في العالم الى روسيا – روسيا « الروح الثورية والديناميكية السياسية « ديناميكية الفن الممكن…هكذا تمر مائة عام من تاريخ اندلاع الثورة الروسية التي أبانت في لحظاتها الفارقة عن تغيير اجتماعي سياسي في الشكل والجوهر, رغم اعدام متطلبات نجاح الثورة الروسية في سياقها العالمي والداخلي. (فشل الثورة الالمانية….القمع الفاشي للحركة العمالية في اسبانيا وايطاليا ….فرض ديكتات لتحالفات أحزاب الطبقة العاملة « .ألمانيا -الصين » نشأة البيروقراطية واستيلاءها على أجهزة الحزب ومقراراته..الالتفاف على مقرارات الاممية الثالثة)…

ان هذه الافرازات السالبة لديمومة الثورة الروسية وانحرافها عن سياقها العالمي أساسا فأن العودة الى ثورة 1917 وميكانيزماتها ودراسة التشكيلات الطبقية والتوصيف السوسيو-اقتصادي لطبيعة المجتمع ونمط الانتاج; آنذاك يعد مرجعية قيمية ليس من الجانب التاريخي فقط. بل في علاقة بتطور الرأسمالية وتطور تناقضاتها التي تعتبر الدافع الموضوعي لامتداد الفعل الثوري, أي الدافع الموضوعي لقلب علاقات الانتاج وبالتالي يكمن لنا تواصل البحث في الثوابت الوظيفية والتقنية للثورة كفعل سياسي منظم, يهدف الى التغييرات الجذرية للبنى المؤسسية للمجتمع يبدو اننا في حاجة ملحة له من قبل اي وقت مضى. في هذا الاطار يعرف « كرين برنتون » في كتابه « تشريح الثورة » بقوله: » »الثورة هي عملية حركية دينامية تتميز بالانتقال من بنيان اجتماعي الى بنيان اجتماعي آخر » ». في حين يذهب السوسيولوجي البنيوي »يوري كرازين » أكثر من ذلك في تعريف وظيفة الثورة « .معنى الثورة الاجتماعية ووظيفتها, لا يمكن فهمها الا حينما ننظر الى تاريخ المجتمع على حقيقته كسلسلة متصلة من التشكيلات الاقتصادية -الاجتماعية, والثورة شكل من اشكال الانتقال من تشكيل الى آخر, تكون الخاصية المميزة السائدة له, ومضمونه السياسي هو انتقال السلطة الى الطبفات الثورية ».

ان السؤال حول راهنية مفهوم الثورة لن يكون سؤالا منفصلا, بقدر مايكون سؤالا مفصليا في علاقة ترابطية بدوافع واسباب ومآلات الثورة في حد ذاتها كحقل دلالي. واذا أجمعنا من وجهة نظر سوسيولوجية على أن مفهوم الثورة هو التغيير الجذري في البنى الكلية داخل المؤسسات والمجتمع, حيث تصبح الثورة الفعل المادي المحض داخل أنساق التاريخ الذي يبرز من خلال نضج ظروف موضوعية -ذاتية معينة تدفع حتما الى تغيير جذري … اليوم و بعد مرور مائة سنة عن الثورة البلشفية, اتسم مشهد الاقتصاد العالمي بخاصية العولمة التي اكتسحت مجالات « الكونية « .

وهذه الخاصية ليست وليدة نفسها أو هي مرحلة فارقة منفصلة عن تسلسلات الرأسمالية; بل هي تفصيلات عميقة ومتشابكة للامبريالية أعلى مراحل الراسمالية التي حددها سابقا مسار التنافس والاحتكار. فهي تحدد اليوم مسار الهيمنة المشتركة والاستعمار التقني -الصناعي لاقتصاديات الأطراف. وفي ملاحظة أولى نستقي مفهوم العولمة على أنها عملية تكوين سوق, ومنطقة انتاج واحدة مقسمة الى مناطق اقتصادية, يتم فيها اختراق الحدود القومية للاقتصاد. يعرف المفكر صادق جلال العظم العولمة على كونها «  »حقبة التحول الرأسمالي العميق للانسانية جمعاء في ظل هيمنة دول المركز, وبقيادتها وتحت سيطرتها وفي ظل سيادة نظام عالمي للتبادل الغير متكافئ ».

لقد اكتسحت العولمة مجالات الحياة البشرية بعد انتهاء الهيمنة القطبية بين المعسكرين الكلاسيكيين االو.م.الامريكية والاتحاد السوفياتي ومثل انهيار جدار برلين ١٩٩١ رمزية تاريخية لانتهاء الهيمنة الثنائية وصراع « الحرب الباردة », وبالتالي انتصار المعسكر الغربي ومركزة الهيمنة الاحادية ونتجت العولمة, برعاية عامل أساسي وهو الرأسمال المالي لغاية تشكيل المتروبول والشركات العبر قطرية وانهاء عصر الحواجز الجمركية, وتحرير السوق وتطوير النزعة العسكرية. خفض القيمة المحلية ورفع أسعار الفائدة وباختصار شديد انها الفكرة الاقتصادية القائلة « الغني أغنى والفقير أفقر  » ولقد بشر الليبراليون الوظيفيين فقراء العالم بولادة ديانة جديدة على حد عبارة « بينيامين كريم « سنة 1982″الخطة تشمل احلال حكومة عالمية جديدة …ديانة جديدة » …..ان هذه المقاربات العامة بين فكرتي التغيير الجذري ونهاية التاريخ, لا تنطوي ضمن التوصيف بل تطرح علينا وبشدة سؤال جوهري حول راهنية الثورة في خضم أزمات العولمة واحتدام تناقضاتها…. تنتج العولمة أزماتها الاقتصادية نظرا للتناقضات التي تحملها داخل منظومتها المتشابكة « أزمة2008 الرهن العقاري في الو.م.ا ».

ويتم تصديرها الى الطبقات المفقرة في بلدان العالم ويتم ترجمتها في شكل « ديون كريهة ». نشر الحروب وتعميق الطائفيةv »الشرق الاوسط » وخطط تقشف مثلما حصل مع ايطاليا واليونان في السنوات الأخيرة, ونظرا للتحول الهائل الذي شهدته المنظومة الرأسمالية على مستوى عالمي, استمدت سياسات تحرير الاسواق وتراجع دور القطاع العام في مقابل توجه الراس مال المالي نحو القطاع الخاص. انتشرت جيوش من المعطلين العمل; فحسب تقرير لمنظمة العمل الدولية في سنة 2013, ذكرت وجود أكثر من مائتي مليون معطل عن العمل. وهو رقم كافي لتوضيح أزمة العولمة, هذا زيادة عن ملايير الفقراء حول العالم جراء سياسات الانظمة الاقتصادية والمجاعات والحروب والأشغال الهشة وانتشار الفساد الاداري والمالي; في المقابل اتسمت سنة 2011 بكونها سنة استثنائية من حيث زخم التعبئة الاحتجاجية على مستوى عالمي بدأت شراراتها من تونس وانتقلت الى اروبا في بلدان مثل اليونان واسبانيا ثم الولايات المتحدة الامريكية ضمن الحركة الشهيرة, « احتلوا وول ستريت » .

لقد تميز هذا الطابع الاحتجاجي العالمي بالمطلبية الاجتماعية والاقتصادية, والذي توج بثورات اجتماعية في عديد البلدان على غرار كل من تونس ومصر وليبيا, رغم انحرافات المسارات الثورية فيما بعد, الا أن المد الاحتجاجي مازال متواصلا من قبل الفئات الشعبية نحو تحقيق مطالبها, والتي حقيقة تعجز قوى الثورة المضادة تحقيقها نظرا لاستتبعات المنظومة الرأسمالية واملاءات صندوق النقد الدولي. وهو أحد مستندات العولمة في سياساتها المالية والهيكلية. وفي أقل التقديرات من الممكن الحديث عن تفاوت الاوضاع الثورية بين هذه البلدان المذكورة, كما أن العامل الذاتي المتمثل في الوعي المطلبي الثوري, ليس بالقدر الكافي نحو اعادة المسار الثوري الى طبيعته على الاقل في هذا التوقيت, بقدر ماهو تمفصلات لمراكمة الانفجار الاجتماعي في سنوات قادمة. وبالعودة الى سياق العولمة كحركة تقنية -مالية متشابكة ومترابطة حول العالم, فأن استخلاصات الحركات الاجتماعية في أحداث سنة 2011 التي اتخذت شكلا عالميا وضعت حدا فكريا لمقولة « نهاية التاريخ »وأثارت .مراجعات عديدة في قراءات الاقتصاديين الليبراليين.

ان المقاربات النظرية كانت تصطدم بانفلات الواقع منها, وطرحت بشدة مشكل التفاوت الطبقي والامساواة, اضافة الى تداعيات قوى السوق انطلاقا من خصائصها النيوليبرالية في انتاج الفوارق الاجتماعية وصولا الى الاقصاء الاجتماعي. ان الحديث عن عهد الثورات ممكن, مادام هناك واقع اجتماعي يتحرك نحو التغيير; وهذه الحركية تنتشر ليست بصورة انتقالية ميكانيكية فقط, بقدر ماهي حركية ديالكتيكية عالمية توجه ضربات الى العمود الفقري للرأسمال المعولم, فاذا كانت القطبية المتعددة قد تعرضت لانكسار تاريخي انتج المركزية الغربية في عولمة التقنية والثقافة والاتصال والخدمات والصناعات الرقمية بشكل متشابك ومعقد, فانه من الضروري مراجعة النظرة الكلاسيكية لمعنى الثورة ما قبل « المملكة الجديدة « . وهنا نشير بالقول أن الحركة الاجتماعية اايوم, تسير في سياقها العالمي وفق حيوية الطبقات الجديدة (المهمشين-المعطلون عن العمل-عمال الخدمات -الفلاحين الغير مالكين) المتشكلة من افرازات نظام العولمة. فهي لن تكون محدودة النطاق زمنيا أو مكانيا, وهذا كله متعلق أساسا بتطور تناقضات وأزمات النظام المعولم الذي يدفع في كل مرة نحو حافة الانفجارات الاجتماعي , التي بالضرورة ستكون نتاج الثورة العالمية-العالمية التي هي مقابل العولمة.

Laisser un commentaire

Entrez vos coordonnées ci-dessous ou cliquez sur une icône pour vous connecter:

Logo WordPress.com

Vous commentez à l'aide de votre compte WordPress.com. Déconnexion / Changer )

Image Twitter

Vous commentez à l'aide de votre compte Twitter. Déconnexion / Changer )

Photo Facebook

Vous commentez à l'aide de votre compte Facebook. Déconnexion / Changer )

Photo Google+

Vous commentez à l'aide de votre compte Google+. Déconnexion / Changer )

Connexion à %s

%d blogueurs aiment cette page :